عمران سميح نزال
104
الوحدة التاريخية للسور القرآنية
النبويّة ، ونزل الأمر عليه بأن يتّقي اللّه ولا يطع الكافرين ، أي أنه مأمور وهو نبي أن يثبت تقواه للّه تعالى ، والتقوى هي الصّدق في اتباع ما يأمره به اللّه تعالى ، والصدق في الانتهاء عما ينهى اللّه عنه ، وإن كان المأمور نبيا للّه تعالى ، أي أن اللّه يأمره أن يلتزم بما يأمره به ، وبذلك يعلم أن النبيّ عليه الصلاة والسلام محكوم بالتزام شرع اللّه الخاص به ، والتزام شرع اللّه الخاص بأهل بيته من زوجاته ونسائه وبناته ، وأنه كان مكلفا به من اللّه تعالى ، كما أن المؤمنين مكلّفون بشرع من اللّه تعالى هم وأزواجهم في كافة علاقاتهم الاجتماعية وغيرها . ولذلك بدأ اللّه تبارك وتعالى هذه السّورة بأمره نبيّه بالتقوى لما في سورة الأحزاب من شرع خاصّ به وبأزواجه وبناته ، وحتى يعلم كلّ مؤمن أن النبيّ مسؤول عن التكاليف الخاصة به أمام اللّه تعالى ، وأن النبيّ عليه الصلاة والسلام داخل في الابتلاء في شرع المؤمنين أيضا ، فالنبوة لا تعفيه من التكليف وإنما هي زيادة في التكليف عن باقي المؤمنين ، وأنه مأمور بالتزام الشرع بصدق مهما كان شاقا ، ولذا لا غرابة أن يأمره اللّه بالتقوى وإن كان نبيا « 1 » ، لأن للنبوة شرعا خاصا واجب الاتّباع ، ولذلك طالب اللّه تعالى نبيه بالمصداقية قبل أن يبدأ بغيره من المؤمنين ، حتى يكون قدوة حسنة في التزام شرع اللّه تعالى قبل غيره من المسلمين والمؤمنين ، وهذا من أسباب افتتاح سورة الأحزاب بهذا النداء ، ذلك أن عقد الإيمان ليس دعوى وإنما هو عقد موثق مع اللّه تعالى ، ومصداقيته تطبيق بنود هذا الإيمان ، وهي الأحكام التي نزلت في القرآن ، والتي يأمر بها النبيّ عليه الصلاة والسلام ، وقيل إن النداء بهذه الصفة إنما جاء للتكريم « 2 » . وتاريخ نزول هذه الآيات جاء بعد معركة أحد التي كانت في شوال من العام الثالث للهجرة ، إثر المفاوضات التي حاولت دولة قريش الكافرة من خلالها أن تعقد اتفاق هدنة مع دولة المؤمنين المدنية ، بغرض تأمين دولة قريش لتجارتها الخارجية .
--> ( 1 ) انظر : نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم ، محمد الغزالي ، ص 322 . ( 2 ) كتاب التسهيل في علوم التنزيل ، محمد بن أحمد بن جزي ( 741 ه ) ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1393 ه - 1973 م ، 3 / 132 . وأنوار التنزيل وأسرار التأويل المعروف بتفسير البيضاوي ، ناصر الدين البيضاوي ، دار الجيل ، بيروت ، ص 551 .